|
ممّا لاشكّ فيه أنّ العمليّة
الإبداعيّة تستلزم وجود طرفين
يفترض بهما أن يكونا متكاملين،
وذلك للخروج بنتيجة مُرضية لطرفٍ
منهما على الأقلّ، وهو المبدع
بداية، ذلك لأنّ الملهم قد يكون
غائباً، أو غير دارٍ أنّه كان
الملهم الذي بتأثيرٍ منه، مباشر
أو غير مباشر، كان التحريض على
الفعل الإبداعيّ، ليكون بالتالي
الإبداع اللاحق على بارق الإلهام
السابق، ثمّ لا بدّ أن تكون
النتيجة ظاهرة بعد وضع الإبداع
على المحكّ، أو في المختبر
النقديّ.. وقد نتساءل مَن منهما
يدين للآخر في هذا الأمر، المبدع
يدين لملهمه، أم الملهم يدين
لمبدع الإبداع الذي يليق به..؟!
العلاقة بينهما ليست علاقة منفصلة
أبداً، بل هي متعدّية الربح
ومتعدّدة الرابحين، لأنّ الرابح
في النهاية كلاهما، والمتلقّي
بداية ونهاية، هذا إذا أدخلنا
معيار الربح والخسارة في موضوع
إبداعيّ يتسامى على العرض
والطلب.. فالإبداع لا يكون عن
طلبٍ، لأنّه يَجْدُر به أن يصدر
عن صدقٍ وقناعة ورغبة وتأثّر،
ليستطيع إبلاغ رسالته المتوخّاة،
ألا وهي التأثير، والخلود المنشود
أوّلاً وأخيراً.. فقد يكون الملهم
شخصاً مجايلاً «عاشقاً، معشوقاً،
أو حتّى عدوّاً..إلخ»، وقد يكون
شخصيّة تاريخيّة، أو واقعة
تاريخيّة ما، أو تجربة، أو ثورة،
أو تاريخ مرحلة برمّته، أو مدينة،
أو حيوان، أو أيّ شيء من
الطبيعة.. ومن هنا ربّما يدري
الملهم أنّه الملهم إن كان
مجايلاً عاقلاً، ويقيناً سيكون له
فضل ولكن من دون أن يدري، عندما
يكون عدا ذلك عاقلاً أو غير
عاقل..
ففي مجال الأدب والفنّ هنالك
الكثيرون من المبدعين الذين
اتّكؤوا في إبداعهم على ملهميم،
فأنجزوا في ميادينهم الاستثنائيّ
والبليغ. ويمكن عدّ ما لا يحصى من
الأمثلة التي تبرهن على ذلك..
فكلّ مبدع يستقي الإلهام من شخص
أو شيء، ويضيف إليه من ثقافته
وإحساسه، يعيد صوغه وفق مفهومه،
قد يصحّح زللاً ما طاله، أو يجبر
عطباً تعرّض له، وليس بالضرورة أن
يقدّمه بالصورة المثلى، وهنا قد
يسيء المبدع إلى ملهمه، سواء عن
قصد أو من دون قصد، وذلك عندما لا
يكون أهلاً لذلك. فالإبداع
مسؤوليّة وهذه المسؤوليّة لا
تنقاد لمن لا يتمكّن من أدواته،
أو لا يشحذ همّته.. وهنا تتساءل
أحلام مستغانمي في روايتها «ذاكرة
الجسد» كاتبة: «إنّ ما كتبه
أراغون عن عيون إلزا هو أجمل من
عيون إلزا التي ستشيخ وتذبل.. وما
كتبه نزار قبّاني عن ضفائر بلقيس
أجمل بالتأكيد من شعر غزير كان
محكوماً عليه أن يبيضّ ويتساقط..
وما رسمه ليوناردو دافنشي في
ابتسامة واحدة للجوكندا، أخذ
قيمته ليس في ابتسامة ساذجة
للموناليزا، وإنّما في قدرة ذلك
الفنّان المذهلة على نقل أحاسيس
متناقضة، وابتسامة غامضة تجمع بين
الحزن والفرح في آن واحد.. فمن هو
المدين للآخر بالمجد إذن؟».ص126.
فمن يدين للآخر، أراغون لإلزا أم
العكس، ونزار قبّاني لبلقيس، أم
بلقيس لنزار قبّاني، أما كانت
بلقيس لتبلى مع الدهر إن لم يكتب
نزار فيها رائعته «بلقيس»،
وبالمقابل، أنّى كان لنزار أن
يبدع رائعته لولا بلقيس التي كانت
المحرّض الأساسيّ على ذلك، حتّى
وإن كان موتها ناب منابها فيه..
ثمّ، أوليس الفضل كلّ الفضل
لدافنشي في تخليد اسم الموناليزا
عبر «الجوكندا» اللوحة الأشهر
التي خلّد فيها بسمتها، وتخلّد
بها ومعها.. أما كانت لتضيع في
زحام البسمات والأسماء لولا أن
أضاف إليها دافنشي من روحه
وإبداعه ليبقيها أيقونة تسلب
الألباب وتحيّر لاحقيه كلّهم، ومن
جهة أخرى، هل كان دافنشي ليبدع
لوحته لو لم يجد ضالّته في
الموناليزا..؟! ويأتي دور أحلام
مستغانمي نفسها في اتّكائها على
إبداع مالك حدّاد وتناصّها معه
واستفادتها من تجربة أبيها، لتكون
مبدعة بناء على إلهامٍ من مبدع
آخر أو حياة آخر أرادت تأريخها..
كما أنّ دان براون اعتمد على حياة
دافنشي ليكتب روايته «شيفرة
دافنشي» التي أحدثت زلزالاً في
أوساط كثيرة، بين مؤيّد
ومعارض..
وفي هذا الصدد، أبدع فوّاز حدّاد
في روايته «مرسال الغرام»
اشتغالاً على تجربة حياة شخصيّة
تاريخيّة، في مرحلة تاريخيّة، وهي
حياة أمّ كلثوم، وبعض المنعطفات
التي مرّت بها، أعاد إحياءها
روائيّاً، مُحيياً بذلك نصّه،
متكاملاً معها، مبدعاً وملهماً،
ومسهباً في تفصيل علاقات أمّ
كلثوم بمن حولها، وكيف أنّ صوتها
كان يتلبّسهم، فيلهمهم إبداعات
رائعة، من دون أن يقووا على
رؤيتها إلاّ من خلال صوتها الذي
كان يجلّل كلّ شيء، ويسحر كلّ
مقترب ليخلّفه هائماً.. كما أنّ
سعدالله ونّوس قد اتّكأ على
التاريخ وأضاف إلى الشخصيّات
التاريخيّة، وذلك في «منمنمات
تاريخيّة» فاستحضر شخصيّات
تاريخيّة، وقدّمها في نصوصه، من
دون أن يطلق أحكامه عليها.. وحيدر
حيدر كذلك استند في إبداعه «وليمة
لأعشاب البحر» في بعضٍ منها على
تجربة مظفّر النوّاب ورفقائه في
السجن والهرب منه.. وأمين معلوف
عن شخصيّة حسن الوزّان في روايته
«ليون الأفريقيّ». وكذلك نجد نذير
جعفر قد اتّخذ في روايته الصادرة
مؤخّراً «تحت سقفٍ واطئ» من حياة
بعض من أصدقائه في حقبة معيّنة
محوراً رئيساً لروايته، وفي
مقدَّمتهم الشاعر رياض الصالح
الحسين، حيث كان الملهم بتجاربه
لصديقه.. وهنالك حالات إبداعيّة
أخرى يشترك فيها مبدعان، كحالة
عبد الرحمن منيف وجبرا إبراهيم
جبرا في روايتهما المشتركة «عالم
بلا خرائط»، فهل يكون الملهم
مشتركاً كذلك، أم أنّ دور الإلهام
ينتفى عندما يتحكّم العقل بكلّ
الخيوط، وتأخذ الصنعة الأدوار
كلّها..؟!
ومن هنا ترد بدهيّة لابدّ منها،
وهي أنّ وراء كلّ إبداع إلهام، أو
وراء كلّ مبدع ملهم، وقد يغدو
الإبداع نفسه إلهاماً لمبدع آخر،
أي أنّ أحدهما يستولد الآخر، وهذه
الثنائيّة تتجلّى يوماً بيومٍ،
فلا الإبداع ينتهي، ولا الإلهام
كذلك، حيث نهر الحياة يرفد
المبدعين بملهمين، أو ملهمات، في
دورة لا تنتهي، فكلّ يوم هناك
جديد ما يطفو على السطح فاعلاً
ومنفعلاً بما حوله.. وهذا لا يعني
بمعنى من المعاني إلغاء لدور
البراعة في الصنعة، بل هو تجذير
له..
أمّا عن سؤال مَن منهما يدين
للآخر، فهذا يعتمد على الصورة
التي يقدّم بها، فقد يسيء المبدع
إلى ملهمه عندما لا يكون لائقاً
باقتباس أو اقتناص تجربته، وقد
يخلّده عندما ينجح في رهانه..
والحكم هو المتلقّي الذي قد
يتعسّف في حكمه إذا ما تأسّف على
الملهم، وقد يبالغ في تقديره
والثناء عليه عندما يجد أنّ
الملهم قد نال ما يستحقّه من
تكريم..
صحيفة الثورة/ ملحق الثورة
الثقافي/
2008/11/25
|